عجاج الإيزيدخاني
شكّلت جغرافيا ما بين النهرين مختبرًا استثنائيًا لتشكّل مفهوم الزمان إذ لم يكن اليوم في وعي سكّانها مجرّد وحدة تُقاس بحركة الشمس، بل كان مقامًا رمزيًا تتكاثف فيه أسئلة الوجود ومعانيه. الزمن هناك لم يُعش كتعاقبٍ صامت، بل كنسيجٍ حيّ تنبض في داخله العلاقة بين الإنسان والكون.وفي قراءة سيميائية تستحضر عمق تلك الحضارة، يبرز يوم الأربعاء بوصفه أكثر من إطارٍ يوميّ اعتيادي إنّه عتبة كونية تتماسّ عندها السماء بالأرض، وتُستعاد فيها لحظة البدء الأولى. يومٌ يُنظر إليه كزمنٍ مفصليّ، تُكتب فيه العهود من جديد، وكأن الخليقة تُراجع أصلها، وتستدعي سرّها الكامن في توازن النور والطين.
الأربعاء الإيزيدي من التاريخ إلى الفعل الكوني
في وعى الحضارتين، فإن يوم الأربعاء (وخصوصاً الأربعاء الأول من شهر النيسان رأس السنة في الحضارتين) هو فضاء زمني لنزول “السر” وتَبدّي حكمة “طاووسي ملك” في الكون. ومن خلال فلسفته، لا يرمز هذا الهبوط إلى مكان فيزيائي مارًا، بل حالة من انكشاف المعنى. هنا تُزيح طبقات الوجود المادي للحظة واحدة، ما يسمح للوعي الإنساني أن ينظر إلى ما وراء الظاهر. الحكمة في هذا السياق ليست مجرد “معلومة” تُضاف إلى الخزان الذهني، بل هي إشراقة أَبْسْتِيمُولوجِيّة، تتمثّل إلى “الذاكرة الأولى” التي نسيت بها البشرية نفسها في خضم التكرار الليلي.
التناص مع الميثولوجيا السومرية
حكمة إنكي هذه الرؤية لها صداها العظيم في الميتافيزيقا السومرية على وجه التحديد شخصية الاله”انكي” اله الحكمة والمياة العميقة (اعماق الارض). في الخيال الرافدي، إنكي لم يكن فقط مانحاً للماء كعنصر حيوي بيوفيزيائي فحسب، وإنما كان أيضاً راعياً للـ (مي)؛ (يوصف المي على أنه القوانين العالمية ونظم الوجود التي تعطي العناصر وجودها وقوتها). هنا تبرز نقطة التقاطع الرمزي العجيبة “طاووسي ملك” إجلا لنور الحكمة العلوي، و”أنكي” عين العمق، مدار ذاكرة الخلق. كلاهما اشتراكا في صفة “كائن معرفة”؛ القوة التي تُفيض سراً، بدلاً من سيف، والتي تؤسس لسلطة الإيدولوجية على حساب سلطة العقاب، والتي تُحوّل يوم الأربعاء كحلقة مباشرة زمنيّة ربطًا بين النور القادم من السّماء والذاكرة في جوف المياه.
سيميائية الامتناع والهيبة الوجودية
تتضح فلسفة الأربعاء أكثر عند مراقبة “الطابو” أو الحظر على السباحة في التقليد الديني الإيزيدي في هذا اليوم. إن هذا الامتناع لا يجب أن يُفسر في معناه الحرفي، بل يجب أن يُقرأ في أبعاده الرمزية؛ ففي يوم الأربعاء يتحول الماء إلى “حقل طاقة” مليء بالأسرار، ومكون يتعدَّى كونه مجرد تطهير جسدي ليكون وسيطًا لفيض النور.إن الحفاظ على “الطوق” الرمزي هو الإنتماء إلى نظام كوني وتوازن دقيق بين “المبدأ الأول” والمتلقي البشري. فالامتناع هنا هو فعل “صون للسر”، وتراجع خطوة إلى الوراء لترك المجال للنور كي يعمل في العمق الروحي للإنسان، وهو امتداد لقداسة الزمن في حضارات كوتل التي كانت تنظر في كل لحظة على أنها فرصة لظهور المعنى الكلي.
وحدة الأصل بين سومر ولاش في المحصلة
يبقى يوم الأربعاء يمثل رابطاً لارتباط الروح الحي بين “سومر” القديمة و”لاش” المقدسة؛ ويربط هذا حكمة “إنكي”، وبركة ”طاووسي ملك”. إنه ذلك اليوم الذي يرسل رسالة تذكِّر بها معاصر أنّ الحكمة الأصلية التي لا تسحق، التي لا تُسكب ندراً، إنما تُتلقًّى بـ “خشوع معرفي”. في حضارة علمت أبجديات العالم الأولى في مبادئ القانون والكتابة، ابقى “سر” موصد أمام التفسير اللغوي مباشرة، ليكون المُعبر عنه عبر الخبرة، الممارسة، والطقس. ولا يزال السؤال الميتافيزيقي قائماً، فهو يتعدى البحث عن أسباب اختيار يوم الأربعاء تحديداً، لينصب على جوهر السؤال هل سنبقى دائماً على استعداد ولكن ليس قبل أن نعود لنصدر عن روحية جديدة، في كل أربعاء، لننظر إلى ذلك النور الذي ما زال يتساقط على الماء؟