
عشتار خان
خدرلياس مقتبسًا من ذاكرة الأجداد، من ذاكرة جدة وأم لابنة كحلقة متصلة، متوارثة طقوس مستمرة،لنتحدث عنه هكذا كشيء ملموس دون الذهاب بعيدًا عما موجود عند الإيزيدية، ودون التطرق إلى فكرة ارتباط خدرلياس بأي شخصية تاريخية رافدينية، ديموزي، الخضر المرتبط بالخضار والخصب، أدد، أيا كان، طبعًا جميع الجهود والمحاولات في فهم والتعريف بهذه المناسبة مشكورة، ولكل إنسان طريقته في البحث،خدرلياس تعريفه إيزيديًا:عندما كنا صغارًا جميعنا كان ينتابنا شعور بالفضول تجاه ما يؤمن به، هذا ما دفعني إلى التفكير والسؤال عن من هو خدرلياس الذي يشكل جزءًا مهمًا من الهوية الإيزيدية.لإخماد هذا الفضول كان عليّ أن أسأل، كما تعلمون في ذلك الوقت لم يكن هناك كوكل أو مواقع التواصل لكي نلجأ له،لا يوجد أمامنا سوى الأهل، حراس هذا الإرث الذي تمسكوا به بكل ما فيهم من قوة، لدرجة اختاروا السكن في الجبال وحياتها القاسية لأجل إنقاذ هويتهم، هذه الهوية التي فضلوا حمايتها على أن ينعموا بحياة مرفهة، وهنا ذهبت إلى جدتي مثل من يذهب في آلة سفر عبر الزمن لمكان يثير فضوله متسائلًا:جدتي من هو خدرلياس ولماذا نحتفل به؟كانت الإجابة بكل هدوء: ابنتي خدرلياس دكاري بخير بي (طاب ذكراه) سرا طاووسي ملكا (سر طاووس ملك)، كانت إجابة كافية بالنسبة لي، أعلم أن ما يجب أن تخبرني به أخبرتني.خدرلياس هو المجسد للسر العظيم الذي يعود بأشكال مختلفة لإعادة وضبط توازن الكون والنفس، نستنتج من هذه الفكرة أن الكثيرين يؤمنون بطاووس ملك 🦚 دون أن يعلموا كما كتبت سابقًا في منشور مختصر،تسمية خدرلياس:التسمية تتكون من مقطعين خدرو + لياس،ترمز التسمية إلى حالتين من حالات الطبيعة، خدرو / كدرو يرمز للاخضرار، ياس يقصد بها مرحلة خروج النبات من مرحلة اليأس وبلوغه ثم نضوجه واستعداده للخصوبة والحمل، وهنا يتضح لنا أن المصطلح يشير إلى صفة مرتبطة بالطبيعة ترمز للاخضرار واليابس، في عملية تغير طقسي يستغرق 3 أيام وتكون فيه آخر مرحلة أو موجة برد، أي إعلان نهاية فصل اليأس الشتاء.خدرلياس فلسفيًا وارتباطه بالطبيعة وعيد زكموك السومري كحلقة متكاملة دورة فلكية:عيد زكموك السومري وعيد خدر إلياس الإيزيدي يحملان في طياتهما عمقًا فلسفيًا وروحيًا يتجاوز الطقوس والمظاهر الخارجية ليصل إلى فهم الإنسان لعلاقته بالزمن والطبيعة والحياة نفسها.في هذه الفترة يمتنع الناس عن الصيد احترامًا لدورة الحياة، فالحيوانات تتزاوج ويُعطى نسلها فرصة للنمو، وهذا الامتناع ليس مجرد قاعدة اجتماعية، بل يأتي تجسيدًا لمفهوم الاحترام للطبيعة واعترافًا بقدسية التوازن البيئي.نفس المنطق ينطبق على المياه، فالمشي فوق الماء وحتى غسل الجسد يُحظر لأنه يمثل إيذاءً للكائنات المائية في موسم تكاثرها،وكأن الطبيعة تطلب من الإنسان الصمت والرهبة أمام سرّها الخفي.الامتناع عن حرث الأرض في هذا الوقت، فالبذور التي في الأرض تستعد للانبثاق، وحركة الإنسان بالحرث قد تقطع دورة الحياة قبل اكتمالها، هنا يصبح الإنسان مشاركًا في دورة الخلق نفسها، ليس متحكمًا بها بل حارسًا على توقيتها الطبيعي. إن هذا الامتناع يعلّم الإنسان الصبر، الانتظار، والانسجام مع الإيقاعات الكونية، فيعيد إليه شعور الانتماء للكون ككل لا مجرد كيان منفصل.من منظور ميتافيزيقي، هذه التقاليد تكشف عن فهم عميق للزمان والدورة الطبيعية، كل فعل له وقته، وكل حياة لها لحظتها. الإنسان في عيد زكموك وعيد خدر إلياس يتعلمون أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة بل في الرعاية وفي التواضع أمام قوانين الحياة التي تحكم كل شيء من أصغر بذرة إلى أعظم نهر.خلال هذا الامتناع الطقوسي يتحول الإنسان إلى شاهد ومشارك في حركة الحياة، يعي معنى الانسجام بين القوة والحكمة، بين الحرية والمسؤولية، بين الإنسان والطبيعة، فتصبح الطقوس أكثر من شعيرة، إنها تأمل فلسفي في معنى الحياة نفسها.الممارسات الدينية والطقوس الاحتفالية:معروف يُحتفل بعيد خدر الياس في أول خميس من شهر شباط وفق التقويم الشرقي، ويُسبق بثلاثة أيام من الصيام، وهي:اليوم الأول (الاثنين): يُخصص للياس (اليابسة)اليوم الثاني (الثلاثاء): يُخصص لخدر (الاخضرار)اليوم الثالث (الأربعاء): يُخصص لتحقيق الأمنيات صوم خدرلياس يصومه من يحمل اسم خدرلياس ومن يرغب.الطقوس والممارسات المرتبطة بالعيد:يتميز عيد خدر الياس بمجموعة من الطقوس الفريدة التي تعكس رمزيته الدينية والاجتماعية، من أبرزها:الامتناع عن الصيد وذبح الحيوانات:يُحظر خلال هذا العيد صيد الحيوانات أو ذبحها، حيث يُعتبر هذا الموسم فترة تكاثر الكائنات الحية، مما يعكس ارتباط العيد بمفهوم الحفاظ على البيئة والتوازن الطبيعي.الامتناع عن السفر لمسافات طويلة:يُعتقد وفقًا للعقيدة الإيزيدية أن خدر الياس في حالة ترحال خلال هذه الفترة، ولذلك يُفضل الامتناع عن السفر إلى أماكن بعيدة احترامًا لهذه العقيدة.تحريم قطع الأشجار:خلال أيام العيد يُمنع قطع الأشجار أو إلحاق الضرر بها، حيث يُنظر إلى هذه الفترة على أنها مرحلة نمو وتجدد للطبيعة، مما يعكس التقديس الإيزيدي للطبيعة وعناصرها.إعداد الأطعمة التقليدية:يعدّ تحضير الأطعمة الخاصة من أبرز مظاهر الاحتفال بعيد خدر الياس، ومن أبرز هذه الأطعمة:“البيخون”: من الأطباق الخاصة التي تميز الاحتفالات الإيزيدية بصيام خدرلياس وعيده، هي نوع المواد التي تحضر للمناسبة وهي الحلاوة الخاصة بها التي تعتبر من أقدم أنواع الحلويات التي عرفها الإنسان وتعرف باسم “بيخون”، التي تعني بدون دم، وفي ذلك إشارة لعدم سفك دماء الحيوانات التي تقدم كأضحية في جميع المناسبات الأخرى.”بيخوين” تصنع من 7 أنواع من الحبوب والبقوليات المجففة، هي القمح والفول والحمص والعدس والسمسم والذرة وبذور عباد الشمس، وقليها على صاج يسمى نارها بـ”الجافوف” وطحنها بحجر الرحى كطقس يبعث البركة.إن طحين المكونات السبعة تخلط مع رشة ملح بالسمسم ودبس التمور أو ما يسمى بعسل التمر ويضاف لها الهيل لإضافة نكهة خاصة وتسمى بـ’خبيسة‘ أي بدون دم والخالية من المنتجات الحيوانية،يتم تكوير خبيسة في شكل دائري يرمز منه لكروية الأرض وتضعه النساء في صواني ويقدمنه للمعيدين الزائرين يوم العيد، تعرف هذه الحلاوة بحلاوة خدرلياس 🌾“قلاندوك”: وهو مزيج من سبعة أنواع من الحبوب مثل الحنطة والشعير والحمص وحب عباد الشمس، في ليلة العيد يتم وضعه في مكان مرتفع ويفضل (سر مالي) كونه له احترام وقدسية عند الإيزيدية حيث يحلفون به، في الصباح تستيقظ العائلة بحماس وفرح يذهبون لتفحص إذا كان زار خدر منزلهم وترك أثرًا لحلول بركاته على العائلة.“الجرخوس” (الهريسة): وهو طبق مكوّن من حبوب الحنطة المجروشة مع الحمص، يتم طهيه وتحريكه باستمرار ويُقدّم صباح يوم العيد، هذه الوجبة التي تكون حاضرة في جميع أعياد الإيزيدية كرمز للخير والبركة.الطقوس الاجتماعية والتقاليد المرتبطة بالزواج:في ليلة العيد يتجمع الشباب والشابات في أحد البيوت حيث يتم تحضير رغيف خبز مملح بنسبة 70% يسمى صوكيت نصيب أقراص النصيب، يتم تقسيمه وتناوله. وفقًا للاعتقاد السائد فإن الشخص الذي يرى في حلمه أنه يشرب الماء في منزل معين أو يرى شخص يقدم له الماء في الحلم يكون مقدرًا له أن منه أو يتزوج من ذلك البيت الذي شرب منه، لهذا التقليد خودان رب يعرف بـ پيري لبنا خاص بتحقيق النصيب مما يجعل هذا الطقس جزءًا من الممارسات التقليدية للزواج في المجتمع الإيزيدي.
