
عجاج الإيزيدخاني
في الأفق التأويلي العميق للبنية الدينية الإيزيدية لا تُفهم الطبقات بوصفها تصنيفًا اجتماعيًا أو تراتبية سلطوية بل كتجلّيات أنطولوجية لأصلٍ نوراني متعدّد. ليست المسألة انقسامًا بين بشر، بل اختلافًا في كيفية حضور السرّ الإلهي داخل الكائن. فالأسطورة لا تؤرّخ لبدايةٍ زمنية بل تكشف عن هندسةٍ كونية: ثلاث إشعاعات أولى ثلاث طبقات من الفيض انسكبت في العالم فتجسّدت في سلالاتٍ تحمل إيقاع ذلك الأصل.هنا، يصبح الإنسان لا فردًا معزولًا بل وعاءً لذبذبةٍ مخصوصة، نغمةً داخل أوركسترا الوجود. كل طبقة ليست أعلى أو أدنى بل مختلفة في التردد، كما تختلف الألوان في الطيف الواحد دون أن تتنافى. ومن ثمّ، فإن تحريم الزواج بين السلالات لا يُفهم كقيدٍ اجتماعي بل كحراسةٍ لبنيةٍ رمزية دقيقة صونٌ لاختلاف الإيقاعات كي لا تتحوّل السمفونية إلى ضجيجٍ بلا تمييز.في هذا التصوّر الاختلاط الذي يتجاوز حدوده الرمزية لا يُرى كفعلٍ أخلاقي أو لا أخلاقي بل كاضطرابٍ في ميزان التعيّنات. لأن كل سلالة، في المخيال الديني، هي استمرارٌ لخيطٍ نوراني سابقٍ للزمن، وعهدٌ أقدم من الإرادة الفردية. الهوية هنا ليست خيارًا يُنتقى، بل استجابةٌ لنداءٍ كونيّ يسري في الدم بوصفه ذاكرةً ميتافيزيقية.لهذا، لا يُمثّل التحريم رفضًا للآخر أو إنكارًا لإنسانيته، بل اعترافًا بفرادته كما بفرادة الذات. إنه إقرار بأن الاختلاف ليس نقصًا ينبغي تجاوزه، بل حدًّا وجوديًا يحفظ تنوّع التجلّيات. فكما لا يذوب الضوء في ذاته دون أن يفقد ألوانه، كذلك لا تذوب السلالات دون أن يتبدّد معناها الرمزي.أما تحريم الزواج خارج الديانة فيتأسس على الرؤية نفسها الانتماء ليس اعتناقًا فكريًا فحسب بل ولادةً من سرّ مخصوص. الدين في هذا السياق ليس حدودًا جغرافية بل دائرة عهد يولد المرء في داخلها كما يولد في نسبٍ روحي. تجاوزها يُرى رمزيًا كقطعٍ لسلسلة الاستمرارية التي تصل السماء بالأرض عبر نسبٍ معيّن وكأن الخيط الذي يحمل الرواية الأولى قد انقطع.وبذلك، فإن الحفاظ على النقاء لا يُقصد به صفاءً عرقيًا أو تفوقًا اجتماعيًا، بل استمرارية الرمز كما أُودِع في البداية. إنه وفاءٌ للتوازن المقدّس الذي يرى في الحدود شرطًا للانسجام، وفي التمايز ضرورةً لبقاء اللحن الكوني واضحًا في تعدّده. فالاختلاف، في هذا الأفق، ليس جدارًا يفصل، بل مسافةً تحفظ لكل سرّ صداه، ولكل طبقةٍ حضورها في المعمار الخفيّ للوجود.وإذا انتقلنا من الأفق الميتافيزيقي إلى البنية الاجتماعية الدينية الملموسة، وجدنا أن الزواج الداخلي في الإيزيدية يشكّل جزءًا جوهريًا من تقاليدها الدينية والاجتماعية. غير أنّ هذا “الداخلي” لا يستند إلى مفهوم طبقي دنيوي، بل إلى طبقات دينية محدّدة داخل المجتمع الإيزيدي، كطبقة الشيوخ، والأبيار، والمريدين لكلٍّ منها دورها ووظيفتها ضمن الاقتصاد الروحي للجماعة.المريد هو المنتمي العام إلى الديانة الإيزيدية، يعيش إيمانه في إطار العلاقة الروحية والالتزام الأخلاقي، دون أن يكون مكلّفًا بالوظائف الدينية المتخصصة. ومع ذلك، يبقى مشاركًا في الحضور الديني بوصفه حاملًا للعهد. أما الشيوخ والأبيار، فتمثّل أدوارهم امتدادًا إرشاديًا وروحيًا فهم وسائط معرفة وحملة تقاليد ومؤتمنون على الطقوس والوصايا ولذلك تُناط بهم واجبات مخصوصة تحفظ استمرارية التعليم والذكر.ضمن هذا البناء لا يُفهم الزواج الداخلي بوصفه انغلاقًا اجتماعيًا بل حفاظًا على تماسك الأدوار ووحدة السلسلة الرمزية التي تربط كل طبقة بوظيفتها. فلكل طبقة عهدها ومسؤوليتها والزواج ضمن الإطار المحدّد يضمن بقاء هذا التوازن دون اختلال.ويتعمّق هذا الفهم أكثر عبر المفهوم الروحي لتناسخ الأرواح في الفكر الإيزيدي. إذ يُعتقد أن الروح تسير في دورات متعاقبة من الحياة، وقد تعود في هيئة مختلفة ضمن طبقة دينية أخرى فقد تعود روح مريد في حياة لاحقة بشخصية شيخ أو بير. الحياة في هذا المنظور ليست خطًا مستقيمًا بل مسار ارتقاء تتبدّل فيه الأدوار بينما يبقى الجوهر في رحلته نحو النضج.وفي هذا السياق يُستشهد بالنص الديني:Ez hatim dinyayê, jaribae Dîna, dawrên min taelmina. Fikirên nezan Min naxepi naالترجمة:- جئتُ إلى الدنيا، فهي تجربة ودروس تعلّمني. أفكار الجاهلين لا تخدعني.هذا القول يلخّص الرؤية الإيزيدية للحياة كمدرسةٍ روحية، وكحقل اختبارٍ للروح في مسارها الدائري. ومن ثمّ، فإن الزواج الداخلي ليس مجرّد تقليد اجتماعي، بل حلقة في منظومة كونية أوسع، تتكامل فيها هندسة السرّ مع نظام المجتمع، ويتعانق فيها النسب النوراني مع المسؤولية الروحية.هكذا يلتقي الماورائي بالاجتماعي، ويغدو التحريم سواء داخل الطبقات أو خارج الديانة تعبيرًا عن رؤية للعالم ترى في الحدود حفظًا للمعنى وفي الانتماء استمراريةً لعهدٍ سابقٍ على الزمن وممتدًا في ذاكرة الروح عبر أدوارها المتعاقبة.
المصدر : العالم الديني الشيخ صحي نابو
