الموسيقى في المعتقد الإيزيدي. آخر أنغام بلاد الرافدين المقدسة .

عشتار خان

في الحادي والعشرين من حزيران 2026 ، إحتفت المنظمات العالمية بالموسيقى ، بوصفها لغةً عالمية تتجاوز الحدود والقوميات واللغات. غير أن الموسيقى في بعض الثقافات القديمة لم تكن مجرد فن أو وسيلة للتعبير الجمالي، بل كانت جزءاً من العقيدة ورؤية الإنسان للكون والوجود. وتبرز الثقافة الإيزيدية عبر العصور القديمة والوسيطة ، باعتبارها جزء حيوي للتراث الروحي في بلاد الرافدين، ولازالت الموسيقى الدينية الايزيدية تحتفظ بمكانتها المقدسة التي عرفتها شعوب المنطقة منذ آلاف السنين.فإذا كانت الموسيقى قد وُلدت مع الإنسان الأول، فإن بلاد الرافدين كانت من أوائل المراكز الحضارية التي منحتها بعداً دينياً وروحياً ، ففي المعابد السومرية والأكديةومعابد ايزيدا البابلي ، كانت التراتيل والآلات الموسيقي جزءاً من الطقوس التي كانت تمارس في تلك المعابد.لذلك ، تعد الموسيقى الايزيدية لغةً تربط الأرض مع السماء، وبين الإنسان والقوى الإلهية التي تدير الكون.وفي هذا السياق التاريخي القدبم ، تبدو الديانة الإيزيدية كواحدة من أهم الظواهر الحضارية التي حافظت على هذا الإرث الروحي الرافديني حتى يومنا هذا. ، فالموسيقى في المعتقد الإيزيدي فناً لا ينفصل عن الدين، بل هي جزء من التراث الاجتماعي يمثل في أداء الشعائر والطقوس في المناسبات الدينية . ولهذا يصعب تخيل أي احتفال أو طقس ديني إيزيدي من دون حضور الموسيقى الدينية يطلق عليه ” الدف والشباب ” يرافق التراتيل. التي لا تزال تشاهد في اعياد معبد لالش النوراني ومزارات القرى الايزيدية كافة .بهذا المعنى الموسيقى الإيزيديين تعكس رؤية كونية قديمة تتمثل بالصوت والنغم تجسد النظام الإلهي للكواكب و تعاقب الفصول بإيقاع ثابت .ويعتبر رجال الدين القوالين ومركز اقامتهم في بحزاني وبعشيقة حافظين للعادات والنصوص والقصائد الدينية وناقل للذاكرة الجماعية. القوالين على مجوعتين الأول ينشد التراتيل الشفاهية والطقوس على ظهور قلوبهم ، والمجموعة الثانية ،تنشد الانغام على الدف والشباب ،وسط جمع من الرجال والنساء الإيزيديين يمثلون التراث الاجتماعي الديني في الأزمنة التي كانت فيها الكتابة محظورة للحفاظ على التراث الديني من الضياع. وخاصة اثناء الفرمانات العثمانية والكردية التي مارست الاضطهاد والقتل وسبي النساء .ويُنظر إلى الدف والشباب بوصفهما من الرموز المقدسة في الموروث الإيزيدي، إذ يرافقان أداء النصوص الدينية والاحتفالات الروحية الكبرى. وهذه العلاقة بين الآلة الموسيقية والمقدس تذكرنا بالتقاليد الرافدينية القديمة التي ربطت الموسيقى بالمعابد والكهنة والطقوس الدينية، تكشف عن استمرارية معرفة نادرة في تاريخ الشرق القديم.ولم تكن الموسيقى الإيزيدية مجرد وسيلة للعبادة، بل تحولت إلى وعاء حضاري لحفظ التاريخ واللغة والأساطير والقصص الدينية والقيم الاجتماعية. فمن خلال التراتيل والألحان انتقلت الذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر، واستطاع المجتمع الإيزيدي أن يحافظ على هويته الدينية والاجتماعية وتبرز الموسيقى بأبهى صورها خلال الأعياد والطوافات الدينية، حيث تمتزج التراتيل بالأدعية والإنشاد الجماعي، وتتحول المزارات والقرى إلى فضاءات روحية تحتفي بالحياة والقداسة والانتماء. تؤدي الأناشيد الخاصة بالموت ، لتصبح الموسيقى لغةً للتأمل والرجاء واستمرار الروحالتي تتجسد في عالم آخر . الموسيقى الإيزيدية لها مكانتها الاستثنائية اليوم أنها ليست مجرد تراث فني، بل تمثل الامتدادات الحية للتقاليد المقدسة التي عرفتها بلاد الرافدين منذ فجر الحضارة. ففي الوقت الذي اندثرت فيه معظم الطقوس القديمة أو تحولت إلى نصوص أثرية صامتة، ما زالت الموسيقى الإيزيدية تعتبر حيةً نابضةً كما كانت عبر التاريخ القديم .وفي اليوم العالمي للموسيقى، لا يمكن النظر إلى الموسيقى الإيزيدية تراثاً يخص الإيزيديين وحدهم، بل بوصفها جزءاً من الذاكرة الحضارية لبلاد الرافدين والإنسانية جمعاء.، إنها سجلٌ حيٌّ لصوت، وصدىً يعيد لمعابد سومر وأور وبابل وآشور عظمتها ، واليوم يتردد الطقس في المناسبات في ألحان القوالين وتراتيل المزارات، تاريخٌ يُنشد، وذاكرةٌ تتكلم، وحضارةٌ ما زالت تغني منذ آلاف السنين.

Related posts

إناء الفوّار… حين تتكلم المياه بلغة الحضارات

مكانة الرقم أربعون في حكمة إنكي السومرية ورمزية طاووسي ملك الإيزيدية.

قبيلة سموقان الإيزيدية وإله سموقان واستمرارية الذاكرة الرعوية في بلاد الرافدين القديمة